الشيخ محمد رشيد رضا
549
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وقد يجاب عن حديث أبي سعيد على طريقة العلماء في مثله بأن هذا الرجاء ليس اعتقادا جازما ولا خبرا عن اللّه تعالى فيحتمل أن يكون وقع منه ( ص ) قبل اعلام اللّه تعالى إياه بما ذكر في الآيات ، وليس في حديث العباس ذكر للشفاعة ولكنه بمعناها ، ويشير كلام الحافظ ابن حجر في شرح الحديث في باب قصة أبي طالب من الفتح إلى أن ذلك خصوصية له ( ص ) ولم يصرح بالاشكال . ويمكن أن يحاب بأن الشفاعة المنفية هي ما كان يعتقد المشركون من تأثير الشفعاء في إرادة الباري سبحانه وتعالى كتأثير الشفعاء عند الملوك وعظماء الدنيا ، وبأن الشفاعة لا تنفع الكافر بانقاذه من النار وجعله من أهل الجنة كما أن أعماله الصالحة في لدنيا لا تنفعه هذا النوع من النفع لان تأثير الكفر يغلب تأثيرها ولكنها قد تنفع بجعل عذاب المشفوع له بفضيلة فيه وعمل صالح له أخف من عذاب الكافر الذي ليس له فضائل ولا أعمال صالحة مثلها كما يدل عليه ما ورد في تفاوت عذاب أهل النار . وما أجدر أبا طالب بأن يكون أخف الكفار عذابا بأعماله الصالحة التي أجلها كفالة الرسول وحفظه وحياطته بل روي عنه أنه كان مصدقا له ولكنه أصر على الشرك استكبارا وحمية لما كان عليه أبوه وقومه وقد أثار هذه الحمية فيه أبو جهل لعنه اللّه - وكذا عبد اللّه ابن أبي أمية رضي اللّه عنه فقد آمن بعد ذلك - إذ كانا لديه في وقت تلك الدعوة كما تقدم . وروى أحمد من حديث أبي هريرة أنه قال للنبي ( ص ) : لولا ان تعيرني قريش يقولون ما حمله على ذلك الاحزع الموت لا قررت بها عينك . فكان جل كفره غلبة الحمية الجاهلية وتعظيم الآباء بتقليدهم وايثار ذلك على الشهادة بالحق . فأين هو من كفر المعاندين الذين آذوا الرسول والمؤمنين بكل ما استطاعوا من أنواع الأذى وأخوجوهم من ديارهم وأموالهم وما زالوا يحاربونهم ويحرضون الناس عليهم إلى أن خذلهم اللّه تعالى ونصر رسوله والمؤمنين عليهم . ولكن يرد على ذلك ان من كان مستحقا لاخف العذاب وجوزي به لا يكون منتفعا بالشفاعة . والتخفيف بسببها بعد الاستحقاق معارض بقوله تعالى ( وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها ) وبنصوص أخرى فلا يظهر معنى للشفاعة الا على قول من يقول إن كل الشفاعات تكريم صوري للشفعاء بما يجريه اللّه تعالى عقب شفاعتهم لايها كما يقول الأشعرية في جميع الأسباب .